15 كانون الأول، 2010

دور العمل في تحول القرد إلى انسان - 1

 

دور العمل في تحويل القرد إلى إنسان - فريديريك انجلز
سيتم تنزيل الموضوع هنا على شكل حلقات، الغرض من هذه الطريقة تسهيل القراءة، و تحديد النقاش...

العمل، كما يقول علماء الاقتصاد السياسي، مصدر كل ثروة. وهو كذلك فعلاً مع الطبيعة التي تقدم له المادة التي يحولها إلى ثروة. ولكنه أيضاً أكبر من ذلك بما لا حدّ له. إنه الشرط الأساسي الأول لكل حياة إنسانية، وهو كذلك إلى درجة أنه يترتب علينا أن نقول بمعنى ما، أن العمل قد خلق الإنسان بالذات.
منذ عدة مئات الآلاف من السنين، في حقبة لا يزال يستحيل تحديدها بدقة، في حقبة من هذا العهد من تطور الأرض الذي يسميه الجيولوجيون العهد التكويني الثالث، ومن المحتمل في نهايته، كان يعيش في مكان ما من المنطقة الاستوائية ـ وأغلب الظن في قارة شاسعة تغمرها اليوم مياه المحيط الهندي ـ جنس من القرود أشبه ما يكون إلى الإنسان وبلغت درجة عالية جداً من التطور. وقد أعطانا داروين[1] وصفاً تقريبياًِ عن هذه القرود التي كانت أجدادنا. فقد كان الشعر يكسو جلدها بكليته ولها لحى وآذانها مقرّنة، وكانت تعيش عصابات على الأشجار[2].
وبتأثير من نمط حياتها الذي يتطلب أن تقوم الأيدي عند التسلق بوظائف غير وظائف الأرجل ـ وأغلب الظن أن هذا السبب هو السبب الأول ـ شرعت هذه القرود تفقد عادة الاعتماد على أيديها للمشي على الأرض واتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية. وهكذا تمت الخطوة الحاسمة للانتقال من القرد إلى الإنسان.
إن جميع القرود التي هي أشبه من يكون إلى والتي لا تزال تعيش في أيامنا، تستطيع الوقوف باستقامة والتنقل على رجليها فقط، ولكنها لا تفعل هذا إلا عند أمسّ الاقتضاء وبأقصى الخراقة. أما مشيتها الطبيعية فتجري بوضع نصف ع مودي وتقتضي استعمال الأيدي. ومعظم هذه القرود، عند المشي، تسند على الأرض السلاميات المتوسطة من أصابع يديها المطوية وتطوي رجليها إلى جسمها وتدفع بجسمها إلى الأمام بين يديها الطويلتين كمشلول يمشي على عكازتين. ولا يزال بوسعنا اليوم على وجه العموم أن نلاحظ عند القرود جميع مراحل الانتقال من المشي على القوائم الأربع إلى المشي على الرجلين. ولكن هذه الطريقة الأخيرة في المشي لم تتجاوز قط عند أي منها مستوى وسيلة اضطرارية تستعمل عند أمس الحاجة.
وإذا كان المشي العمودي قد كتب له أن يغدو عند أجدادنا الشعريين القاعدة أولاً وضرورة ثانياً، فهذا يفترض أنه كان على الأيدي في ذلك الوقت أن تقوم أكثر فأكثر بنشاطات من أنواع أخرى. وحتى عند القرود يوجد نوع من تقسيم العمل بين الأيدي والأرجل. فاليد، كما قلنا، تستعمل عند التسلق على غير ما تستعمل الرجل. فاليد تستعمل في الغالب للقطف ولمسك الغذاء كما يفعل بعض الضرعيات الدنيا بقوائمها الأمامية. وبعض من القرود تستعمل اليد لبناء الأوكار في الأشجار، أو حتى كما يفعل الشيمبانزه، لبناء السطوح بين الأغصان وقاية من سوء الطقس. وباليد تمسك القضبان للدفاع عن أنفسها ضد الأعداء أو ترجمهم بالأثمار والحجارة. وباليد تقوم في الأسر ببعض العمليات البسيطة التي تقلّد بها الإنسان. ولكن، هنا على وجه الضبط، يبدو كل الفرق بين يد القرد غير المتطورة، وحتى وإن كان أكثر القرود شبهاً بالإنسان، وبين يد الإنسان التي رفعها العمل طوال آلاف القرون إلى درجة عالية من الإتقان. إن عدد العظام والعضلات وترتيبها العام متماثلان عند يد القرد ويد الإنسان، ولكن يد الإنسان المتوحش البدائي الأول تستطيع القيام بمئات من العمليات لا تستطيع أبداً يد أي قرد أن تقلدها. فإن يد القرد، أي قرد. لم تصنع قط في يوم من الأيام أي سكين حجرية، وإن غاية في الفظاظة.
ولذا فإن العمليات التي تعلّم أجدادنا خلال آلاف السنين تكييف يدهم لها شيئاً فشيئاً في مرحلة الانتقال من القرد إلى الإنسان، لم تكن في البدء إلا عمليات غاية في البساطة. إن أدنى المتوحشين، حتى أولئك الذين يمكن الافتراض أنهم انحطوا إلى حالة قريبة جداً من حالة الحيوان وانقرضوا جسدياً في نفس الوقت إنما مستواهم ظل أرفع بكثير من مستوى هذه المخلوقات الانتقالية. فقبل أن تصنع يد الإنسان من الحجر أو سكين، انقضت، حسب كل احتمال، حقبة طويلة جداً بحيث تبدو إزاءها المرحلة التاريخية التي نعرفها، شيئاً تافهاً لا وزن له. ولكن الخطوة الحاسمة كانت قد تمت: إن يد الإنسان قد تحررت وغدا بوسعها مذ ذاك أن تكتسب أكثر فأكثر مهارات جديدة، والمرونة المتنامية على هذا النحو انتقلت بالوراثة وازدادت جيلاً إثر جيل.
وهكذا فإن اليد ليست أداة العمل وحسب، وإنما هي أيضاً نتاج العمل. فبفضل العمل فقط، بفضل التكيّف لعمليات جديدة أبداً، بفضل التطور الخاص الذي اكتسبته العضلات وربط العظام على هذا النحو، وكذلك العظام ذاتها على فترات أطول، بفضل توارث هذا التطور، وأخيراً، بفضل تطبيق هذه الإتقانات المنتقلة بالوراثة تطبيقاً يتجدد بلا انقطاع على عمليات جديدة تزداد تعقداً على الدوام ـ بفضل ذلك كله، بلغت يد الإنسان هذه الدرجة العليا من الإتقان التي تستطيع فيها أن تفجر، كقوة ساحرة، عجائب لوحات رفائيل[3] وتماثيل تورفالدسن[4] وموسيقى باغانيني[5].
ولكن اليد لم تكن منعزلة. إنما كانت مجرد عضو من أعضاء جهاز عضوي غاية في التعقيد. وما كان يفيد اليد، كان يفيد الجسم كله الذي كانت تعمل في خدمته ـ وذلك بطريقتين.
الطريقة الأولى: بموجب قانون تناسب النمو كما أسماه داروين. فإن أشكالاً معينة لشتى أجزاء كائن عضوي هي، حسب هذا القانون، مرتبطة دائماً بأشكال معينة لأجزاء أخرى، يظهر أن ليس لها أية رابطة بالأجزاء الأولى. فمثلاً، أن جميع الحيوانات بلا استثناء، التي لها كريات حمراء بدون نواة خلوية والتي يرتبط قذالها بالفقرة الأولى من العمود الفقري بواسطة مفصل مزدوج، إنما لها أيضاً بلا استثناء غدد ضرعية لإرضاع صغارها. فعند الضرعيات مثلاً نرى أن الأظلاف تلتقي بانتظام مع المعدة المعقدة التي تلاءم عمليات الاجترار. إن تعديل أشكال معينة يؤدي إلى تغير أشكال أجزاء أخرى من الجسم وإن لم يكن بإمكاننا تفسير هذا الترابط. فالقطط البيضاء الناصعة ذات العيون الزرقاء هي دائماً، أو تكاد تكون دائماً، طرشاء. إن تحسين يد الإنسان تدريجياً وتطور وتكيف الرجل في آن واحد للمشي العمودي قد كان لها بدورها بكل تأكيد، وكذلك بموجب قانون تناسب النمو أيضاً، رد فعل في أجزاء أخرى من الجهاز العضوي، غير أن هذا التأثير ما تزال دراسته ضعيفة جداً فلا يمكن لنا بالتالي أن نفعل هنا غير أن نشير إليه إشارة عامة.
ولكن ما هو أهم بكثير إنما هو رد الفعل المباشر، الذي يمكن إثباته، لتطور اليد على باقي الجهاز العضوي. فإن أجدادنا أشباه القرود كما سبق وقلنا كانوا حيوانات اجتماعية، ومن البديهي تماماً أنه يستحيل علينا القول أن الإنسان، وهو أوفر الحيوانات نزعة اجتماعية، يتحدر من سلف مباشر، غير اجتماعي. إن السيطرة على الطبيعة، إن هذه السيطرة التي بدأت مع تطور اليد، مع العمل، قد وسعت أفق الإنسان لدى كل خطوة إلى الأمام. فقد كان يكتشف على الدوام، في أشياء الطبيعة، خصائص جديدة لم يكن يعرفها سابقاً. ومن جهة أخرى، أسهم تطور العمل، بالضرورة، في تمتين الصلات بين أعضاء المجتمع أوثق فأوثق بإكثاره حالات العون المتبادل والنشاط المشترك، وبتوضيحه أكثر فأكثر إدراك فائدة هذا النشاط المشترك لكل فرد. وبكلمة موجزة، توصل الناس بسبيل التكون إلى نقطة ظهرت فيها عندهم الحاجة إلى أن يقول أحدهم للآخر شيئاً ما. فخلقت الحاجة لنفسها عضوها، وبفضل التلحين تحولت حنجرة القرد غير المتطورة، تحولت ببطء ولكن بتأكيد، لكي تتكيف لتلحين ما ينفك في تطور، وتعلمت أعضاء الفم شيئاً فشيئاً أن تلفظ أصواتاً بيّنة واحداً بعد آخر، أن تنطق[6].


_______________
[1] ـ داروين، شارلز روبرت (1809 ـ 1882) ـ عالم طبيعي انجليزي كبير وواضع البيولوجيا التطورية العلمية. الناشر.
[2] ـ راجع: داروين «أصل الإنسان والانتخاب حسب الجنس»، الفصل السادس: في نسب الإنسان وسلسلة النسب. (Ch. Darwin. «The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex» Vol. 1, London, 1871). الناشر.
[3] ـ رفائيل، سانتي (1483 ـ 1520) ـ رسام إيطالي كبير في عهد النهضة. الناشر.
[4] ـ تورفالدسن، برتال (1768ـ 1844) ـ مثّال دانماركي مشهور. الناشر.
[5] ـ باغنيني، نيقولو (1782 ـ 1840) ـ عازف كمان وملحن إيطالي كبير. الناشر.
[6] ـ نطق: تكلم بصوت وحروف تعرف بها المعاني. (المنجد) ويقال: الإنسان حيوان ناطق. (المعرب).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق